الإخوان المسلمون بين مطرقة المعارضة وسندان الحزب الحاكم


ملصقات انتخابية في القاهرة. نشرت الصورة

تثير جماعة الإخوان المسلمين بخوضها الانتخابات التشريعية جدلا عنيفا في مصر. فمن جهة تحاول الحكومة بجميع الطرق عرقلة مرشحي الجماعة بينما تشير إليها أحزاب المعارضة التي قاطعت الانتخابات بأصابع الاتهام من جهة أخرى، بسبب موافقة الإخوان على خوض معركة وصفتها بغير الشرعية. فهل أصاب الإخوان المسلمون في اختيارهم؟
يسيطر الحزب الوطني الديمقراطي في مصر على 417 مقعدا من مجموع 454 مقعدا يضمها مجلس الشعب. ويسعى الحزب الحاكم إلى المحافظة على هذه الأغلبية بشتى الطرق في الانتخابات التشريعية التي ستنعقد يوم الأحد 29 نوفمبر. وقد شملت تنديدات المعارضة أمورا شتى من بينها إلغاء الإشراف القضائي على صناديق الاقتراع وطرد بعض الصحفيين. وقد دعت جهات معارضة، أهمها "الحركة الوطنية للتغيير" التي يقودها البرادعي وحزب "كفاية"، إلى مقاطعة الانتخابات التي لم تحظ باهتمام كبير بين المصريين، إذ قام 20 % فقط ممن يحق لهم التصويت بإصدار بطاقاتهم الانتخابية.

غير أن كل هذه الظروف لم تحل دون ترشح الإخوان المسلمين للانتخابات كمرشحين مستقلين، وذلك لحظرها منذ سنة 1982 بعد وصول الرئيس حسني مبارك إلى سدة الحكم. وقد تتالت موجات الاعتقالات في الأسابيع الأخيرة في صفوف الإخوان كما لم يخل الأسبوع المنصرم من اشتباكات بين قوى الأمن وأنصار مرشحي الإخوان. وأعلن رئيس كتلة الإخوان المسلمين في مجلس الشعب سعد الكتاتني أنه تعرض منذ أيام لما وصفه بمحاولة اغتيال.
الإخوان المسلمون حركة إسلامية أسسها حسن البنّا سنة 1928 تهدف إلى إقامة نظام يعتمد التشريع الإسلامي. وقد اشتهرت الجماعة في فترتها الأولى بعمليات الاغتيال التي نفذتها ضد قادة سياسيين. ومرت فترات مُنعت فيها الجماعة من القيام بنشاطها وفي فترات أخرى سُمح لها بدخول الساحة السياسية من منطق توازن قوى المعارضة أمام صعود التيارات اليسارية. إلا أنها باتت منذ 1982 ووصول مبارك للحكم حركة محظورة رغم إعلانها عن نبذ العنف.

"أرى في الأمر خطأ سياسيا فادحا ارتكبه الإخوان"

عبد المنعم محمود صحفي مصري صاحب مدونة "أنا إخواني".

يضمن الدستور حق التصويت والترشح لجميع المواطنين، ومن هذا المنظور، لا يمكن أن نلوم الإخوان على مشاركتهم في عملية تنعت بالديمقراطية. غير أن الظروف التي تجرى فيها الانتخابات هذه السنة صعبة للغاية، فليس هناك سوى قاض واحد للإشراف على مئة صندوق اقتراع والقانون يطالب بقاض لكل صندوق. كما مُنع المراقبون الدوليون وأعضاء المجتمع المدني المصري من متابعة الإجراءات ولم تمنحهم الحكومة أية تصريحات لمراقبة الانتخابات.
من جهة أخرى، لم يتردد وزير شؤون المجالس النيابية وأحد أبرز قادة الحزب الوطني مفيد شهاب من التصريح بأن حصول الإخوان على 88 مقعدا في 2005 كان خطأ لا يمكن أن يتكرر، مبينا نية الحكومة في عرقلة الإخوان المسلمين.
رغم هذا الوضع الحرج، أعرب مرشحو الإخوان عن رغبتهم في التقدم للانتخابات التشريعية دون العزوف عن التنديد بما تمارسه الدولة من تزوير. ويعود سبب هذا الخيار لإيمانهم بأن فترة الانتخابات هي أهم فرصة للتواصل مع الشعب ولفت انتباه أجهزة الإعلام. وهكذا تكون الانتخابات فرصة للتقرب من الجماهير بطرح أفكارهم السياسية والدعوة للجماعة.

خلافا لذلك، تتسنى للإخوان بفضل هذه الانتخابات فرصة لتحسين صورتهم لدى الرأي العام المصري والظهور في ثوب البديل السياسي الذي يستحق ثقة الجماهير، بالإضافة إلى تحسين صورتهم في نظر الغرب بخضوعهم لتجربة ديمقراطية. أما إذا علت أصوات المعارضة منددة بمشاركتهم في ما يرونه مهزلة سياسية، فلا يتردد مرشحو الإخوان في القول إنهم يغتنمون الفرصة لفضح النظام ليس إلا، بل ويصفون عملهم بأنه "تضحية" من أجل الإشارة للحكومة بأصابع الاتهام. ولا شك أن حظر الإخوان كحزب سياسي يؤثر في قرار مشاركتهم ويفسر حرصهم على حفظ مقاعدهم في المجلس بشتى الطرق.
شخصيا، أرى في الأمر خطأ سياسيا فادحا ارتكبه الإخوان فبقبولهم الدخول في لعبة الانتخابات يضفون عليها نوعا من الشرعية. فكيف لا تشيد الحكومة بنزاهة الانتخابات وأهم معارضيها قبلوا المشاركة فيها. قرار كهذا يدل في نظري على افتقار الحنكة السياسية. أراهن أن قادة الإخوان سيقيمون ندوة صحفية غداة نتائج الانتخابات للتنديد بما شابها من زيف واحتيال مفسرين بذلك هزيمتهم. لكن ألم يكن الأجدر بهم أن يتقدموا للانتخابات للوقوف تحت أضواء الإعلام ثم الانسحاب لينجحوا فعلا في فضح الحكومة؟ أما مشاركتهم في الانتخابات حتى آخر لحظة، فما هي إلا دور يؤدونه في مسرحية كتبها الحزب الحاكم، وستنتج مجلس شعب يكون عارا على المصريين."

"لا بد من تمثيل المعارضة في مجلس الشعب ولو بشكل ضئيل"

محمد الدهشان باحث في الاقتصاد.
من الواضح أن الحكومة لم تبخل على المعارضة بشتى الوسائل لمنعها من الوصول إلى صناديق الاقتراع. رغم ذلك، فإن مقاطعة الانتخابات في نظري ليست الحل. فالهدف من المقاطعة عادة هو مشاركة أقل عدد ممكن من الناخبين حتى يطرح موضوع شرعية الانتخابات لاحقا. لكن الأمر بالنسبة إلينا مختلف تماما، فالحكومة لن تتردد بالإشادة بنتائج الانتخابات حتى إن لم تتجاوز نسبة المشاركين 5 %. لذا أرى أن أخف الأمرّين يكمن في تمثيل ضئيل للمعارضة في مجلس لا يكون ملكا خاصا للحزب الوطني حتى وإن هيمن عليه.
تفتقر المعارضة المصرية لوحدة وتكتل، ولا شك أن أحزابا كثيرة تحلم بأن تحظى بإشعاع منظمة الإخوان لكونها أهم قوة معارضة في البلاد. على الحركة إذن أن تؤدي دورها حتى النهاية."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق